المسعودي

17

مروج الذهب ومعادن الجوهر

منه مثلها ، وأكل كل واحد منا ثلاث لُقَم ، وأقبل الندماء والمغنون ، فجعل يلقم كل واحد منهم لقمة من القدر ، وأقبل الطعام ووضعت الموائد ، فلما فرغ من أكله أمر بتلك القدر ففرغت وغسلت بين يديه ، وأمر أن تملأ دراهم ، فجيء ببَدْرة ففرغت فيها ، ففضل من الدراهم مقدار ألفي درهم ، فقال لخادمٍ كان بين يديه : خذ هذه القدر فامض بها حتى تدفعها لأصحاب السفينة ، وقل لهم : هذا ثمن ما أكلنا من قدركم ، وادفع إلى من طبخها ما فضل من هذه البَدْرَة من الدراهم هِبَةً له على تجويده طبخها ، قال الفتح : فكان المتوكل كثيراً ما يقول إذا ذكر قدر الملاح : ما أكلت أحسن من سكباج أصحاب السفينة في ذلك اليوم : الجاحظ يصحب محمد بن إبراهيم في حراقته : وأخبرنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه بجهينة ، وكان من حديثه الموصل ، قال : حدثنا أبو الحسن الصالحي ، قال : قال الجاحظ : ذُكرتُ لأمير المؤمنين المتوكل لتأديب بعض ولده ، فلما رآني استبشع منظري فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصَرَفني ، وخرجت من عنده ، فلقيت محمد بن إبراهيم وهو يريد الانصراف إلى مدينة السلام ، فعرض عليَّ الخروج معه والانحدار في حَرَّاقته ، فركبنا فيها ، فلما أتينا فم نهر القاطول وخرجنا من سامرا نصب ستارته وأمر بالغناء فاندفعت عوادة فغنت : كلَّ يوم قطيعةٌ وعتاب ينقضي دهرنا ونحن غِضابُ ليت شعري أنا خُصِصْتُ بهذا دون ذا الخلق أم كذا الأحباب ؟ وسكتت ، فأمر الطنبورية فغنت : وارحمتا للعاشقينا ما إن أرى لهمُ مُعِينا كم يُهْجَرُونَ ويصرمو ن ويقطعون فيصبرونا ؟ قال : فقالت لها العوادة : فيصنعون ما ذا ؟ قالت : هكذا يصنعون ،